كيف أهان دونالد ترامب أوروبا في منتدى دافوس؟ قراءة في الخطاب و السياق السياسي

دونالد ترامب إنتقادات لاذعة في لقاء دافوس

يُعد المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس واحدًا من أهم المنصات الدولية التي تجمع قادة الدول، و رؤساء الحكومات، و صنّاع القرار الإقتصادي، بهدف تعزيز التعاون العالمي و مناقشة التحدّيات المشتركة. غير أن هذا الفضاء، القائم تقليديًا على لغة دبلوماسية ناعمة، شهد خلال فترة رئاسة دونالد ترامب توترًا واضحًا في الخطاب تجاه أوروبا، بلغ حد ما ٱعتبره كثيرون إهانة سياسية و معنوية للحلفاء الأوروبيين.

سياق مشاركة ترامب في دافوس

شارك دونالد ترامب في منتدى دافوس خلال ولايته الرئاسية، كما ألقى خطابات و تصريحات متزامنة مع ٱنعقاد المنتدى حتى في السنوات التي لم يحضر فيها شخصيًا. حضوره ٱتسم بتعارض واضح مع الفلسفة العامة للمنتدى، إذ كان دافوس يمثل العولمة، التعدّدية، و تقاسم الأعباء الدولية، بينما رفع ترامب شعار "أمريكا أولًا" بوصفه حجر الزاوية في سياسته الخارجية و الإقتصادية.

الخطاب الأمني: إتهام أوروبا بالإتكال

في أكثر من مناسبة مرتبطة بدافوس، وجّه ترامب إنتقادات مباشرة للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرًا أن معظمها لا يلتزم بالإنفاق الدفاعي المتفق عليه. و أكد أن الولايات المتحدة تتحمل عبئًا غير عادل في حماية أوروبا، واصفًا الوضع بأنه ٱستغلال أمريكي لصالح أمن أوروبي "مجاني".

هذا الطرح، الذي قُدّم بلغة حادة و أمام نخب سياسية و إقتصادية أوروبية، فُهم على أنه توبيخ علني لحلفاء تاريخيين، و ليس مجرد نقاش تقني حول تقاسم الأعباء.

الشق الإقتصادي: الإتحاد الأوروبي كخصم تجاري

في دافوس، حيث تُناقش قضايا التجارة العالمية، هاجم ترامب الإتحاد الأوروبي بوصفه كيانًا "غير عادل تجاريًا" تجاه الولايات المتحدة. و ركّز بشكل خاص على الفائض التجاري الألماني، معتبرًا أنه دليل على خلل بنيوي في العلاقات الإقتصادية عبر الأطلسي.

كما لوّح بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية، في رسالة فُهمت على أنها تهديد مباشر للنموذج الإقتصادي الأوروبي، أُلقيت في قلب المنصة التي يفترض أنها تسعى إلى تخفيف النزاعات التجارية لا تصعيدها.

الهجرة و الهوية: خطاب صدامي مع القيم الأوروبية

أحد أكثر محاور خطاب ترامب إثارة للجدل في دافوس كان هجومه على سياسات الهجرة الأوروبية. فقد ٱعتبر أن أوروبا "فتحت أبوابها بشكل مفرط"، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى فقدان الهوية و زعزعة الأمن الداخلي.

هذا الخطاب إصطدم مباشرة بالقيم التي تدافع عنها غالبية النخب الأوروبية المشاركة في المنتدى، و التي ترى في الهجرة قضية إنسانية و إقتصادية معقّدة، لا مجرد تهديد أمني.

الطاقة و روسيا: إتهام بالنفاق السياسي

من أكثر العبارات التي أثارت إستياء الأوروبيين، إنتقاد ترامب إعتماد أوروبا على الغاز الروسي، خصوصًا في ظلّ توتر العلاقات مع موسكو. و ٱعتبر أن من غير المنطقي أن تطلب أوروبا من الولايات المتّحدة حمايتها من روسيا، بينما تموّل ٱقتصادها عبر شراء الطاقة منها.

في دافوس، حيث كان الحضور الأوروبي كثيفًا، ٱعتُبر هذا الطرح إحراجًا علنيًا، و ٱتهامًا مباشرًا بإزدواجية المعايير.

القطيعة مع روح دافوس

لم تقتصر الإهانة على مضمون الخطابات فقط، بل شملت الجوهر الأيديولوجي. فقد هاجم ترامب العولمة و المؤسسات الدولية، و ٱمتدح السياسات القومية و الإنغلاق الإقتصادي، و هو ما بدا و كأنه رفض صريح للفلسفة التي يقوم عليها المنتدى نفسه.

هذا التناقض جعل مشاركته، أو حتى تصريحاته المتزامنة مع المنتدى، تظهر و كأنها تحدٍّ مباشر للنخبة الأوروبية في عقر دارها.

ردود الفعل الأوروبية

قوبلت تصريحات ترامب في دافوس بفتور واضح من القادة الأوروبيين. فبينما تجنب كثيرون الرد المباشر، صدرت تصريحات لاحقة تؤكد إلتزام أوروبا بالتعدّدية، و الدفاع المشترك، و التعاون الدولي، في رسالة غير مباشرة مفادها أن القارة العجوز ترفض منطق الإملاءات و التهديد.

خلاصة

لم يقف دونالد ترامب على منصة دافوس ليُهين أوروبا بعبارة واحدة صريحة، لكن خطابه المتكرّر، و نبرته التصادمية، و ٱتهاماته العلنية بالإتكال و النفاق و الإستغلال، شكّلت مجتمعة ما يمكن ٱعتباره إهانة سياسية و معنوية في منتدى دولي بالغ الحساسية. لقد كان دافوس، في تلك اللحظة، مسرحًا لصدام رؤيتين: رؤية أوروبية متعدّدة الأطراف، و رؤية ترامبية قومية لا تعترف إلا بمنطق القوة و المصلحة المباشرة.

إرسال تعليق

للمزيد من المعلومات حول المُدوَّنة أو المواضيع المنشورة، أو أي إستفسار يرجى الإتصال بنا على مواقع التواصل الإجتماعي، أو عن طريق البريد الإلكتروني على العنوان التالي :
----------------------------------------------------------------------------------------------
[email protected]

أحدث أقدم

متابعينا على بلوجر

تابعنا على بلوجر ليصلك جديدنا

 

نموذج الاتصال